ماهية الدين والإلحاد | المعنى والرمز

 

الدين والإلحاد في الأعراف الإنسانية :

 




يحسَب الناس أن الدين ، مجموعة من المعتقدات الظنية ، التي لا تنكشف مكانوناتها للذات المُدرِكة لها ، وإنما يتم فرضُها على الذات فرضاً لقضايا مصادرة لعمليات التفكير والحياة. يحسب الناس ، أن الدين ينبعث من مناطق محددة تاريخياً وجغرافياً ، على لسان شخصيات منتقاة اعتباطياً ، وغالباً ما يربطون لغة الدين بتلك الأحقاب التاريخية الافتراضية.

يبدو الدين حينها محاولة معرفية لكشف قوى العالم ونظامه ، تستخدم النسج الخيالي على مقدمات لا أساس حقيقي لها ، ولكن الحقيقة أن الدين في معناه الإدراكي وفي النفس والوجود هو فعل أصيل من أفعال الوعي التي تلازمه باستمرار ، وكل ما يقوم به الوعي هو دين ، بغض النظر عن ماهية الفعل.

ربما تتحير الآن ، هل يمكن أن يكون طعامك وشرابك وذهابك لقضاء حاجة ديناً ؟ وذلك بغض النظر عن الميتافيزيقا التي تعتقدها ؟ وعندما يجتمع رؤساء دول ملحدة على طاولة حوار فيدلي كل منهم بما يدين وكذلك بما يدين من وراءه من ناس ؟ هل يمكن أن يكون قتل الأطفال ديناً وتعذيب الناس ديناً ... وكتابة أجوبة الامتحان، واكتشاف معادلة جديدة في الفيزياء كذلك دين ؟ ما الذي تقصده ...

ما أقصده أن البشرية تقوم بكل تلك الأفعال دون تحليل واقعها الحقيقي وما تعنيه حقاً بالنسبة لمن يقوم بها. كل ما يفعله البشر هو دين لا يعرفون عنه شيئاً ، ولكي أبين لك هذا الطرح بالدقة الكافية بإذن الله ، دعني أوضح لك مسألتين :

تأخذ الكلمة دلالتها من اللغة والاصطلاح ، ثم تصبح الكلمة قفصاً لكل ما يقع في اشتراك معنوي مع استخداماتها الشائعة ... وتعريف الدين على أنه العبادة والاعتقاد بالماورائيات هو بالضبط المثال النموذجي على هذه المشكلة ، ولديك الآن أربعة آلاف شيء يسمى ديناً تم اكتشافها عبر التاريخ ، لكنك لن تستطيع أن تجد وحدة معنوية تربط كل تلك الأديان ، فنموذج الشامنيزم والسحر الأحوطي ، مختلفٌ تماماً عن نماذج ما يسمى بالأديان الإبراهيمية ، بل وحتى عن البوذية والهندوسية ، لأن الشامان هو دين قائم على الخبرات المُباشرة ، دون أي نوعٍ من الإيمان المسبق الحكم ، ودون وجود أي اعتقادات ، أنا أعلم أن صورة دين الشامان المنقولة عبر الكورسات ليست كذلك الذي أتحدث عنه ، ولكن الشاماني الأصيل لا يستخدم المفردات اللغوية للتعبير عن ديانته ، وإذا وضحها في أنساق فنية أو علمية فسيرفق ملاحظة مع ذلك التوضيح ، أن هذه الأنساق غير ثابتة للجميع وتختلف من شامان لآخر ، وكذلك دين التحويط ، ليس هناك أي شيء يمكن أن يربطه بالمفهوم الشائع عن الدين ، ليس هناك اعتقادات ، ولا حتى تعاليم أخلاقية موجهة بأحكام مسبقة ، ورغم ذلك فهذان هما أقدم الأديان الباقية على الأرض حتى هذا اليوم ، من حيث التاريخ ، وليس هنالك أية آلهة اسمية لقوى الطبيعة في أصول تلك الأديان تُخرج عنها من لا يعتقد بها.

فنشأة الدين لم تكن رغبة في الاكتشاف ، ولم تكن رغبة في المعرفة أو هرباً من الخوف إلى الاطمئنان ، ولا حالة عاطفية عابرة يتم تقييدها بالأسماء ، ولكن اسم "الدين" هو الذي تم ربطه بمعنى مسبق التحديد ، يتعلق بظاهرة اجتماعية ، ولم يتم إسناده إلى إطاره الوجداني واختباره الإدراكي الأصلي.

لذلك كانت وسيلة الاستدلال على المعنى سيراً من الكلمة نفسها ومن مصفوفة اللغة نفسها هي وسيلة للعبور من غياب رمزي إلى ضباب من الرموز الغائبة الأخرى ، التي تنظم المعنى في تعريف مصقول ومنمق ومغري للدراسة الأكاديمية والبحوث الممنهجة في التاريخ ، ولكنه لا يقدم أي خبرة إدراكية حقيقية للإنسان ، ولا يخدمه بأي شيء على الإطلاق ، لأنه لا يناقش حالة معنوية ، بل تجميعة اسمية مولفة على نظام ممنهج داخلياً ... وهب أن هذا هو معنى كلمة الدين ، فما الذي سيفيدك أن تعرفه عن شيء ليس له معنى حقيقي تختبره بالنسبة لك ؟ أنت لا تختبر التعريفات الشائعة للدين ، اعتقادك  أو عدمه بقوة ما ورائية ليس اختباراً إدراكياً لتلك القوة ، وإنما هو اختبار للاعتقاد المعرفي حولها ، وهذا النوع من الاختبارات لأشياء غائبة عنك وعن حضورك الآني المُباشر ، هو مجرد لهو لغوي ، واسم الدين بهذه الحالة لن يقدم لك معلومة أصيلة ، بل مجرد ربط لا أساس له بين مجموعة خبرات عن شيء لا يهمك أصلاً.

والآن إذا قلتُ لك ما هي السعادة ، هل ستعرفها لي تعريفاً عقلياً ؟ أنها هرمونات ما ، أو خبرة في موضوعات محددة وبظروف معينة ؟ هذا التعريف جيد إجرائياً ، ولكنه لا يعطني معنى السعادة ، بل متعلقات خاصة بها ، وانا لن احتاج تلك التعلقات لأختبر معنى السعادة إذا كان حاضراً مباشرة لي ، ولكنك ستحتاجها حين تفقدُ معنى السعادة من حضرتك الآنية ، وتصبح السعادة غائبة عنك ، فتلاحق الظروف التي تظنها تجلب السعادة ، تماماً كما حين تغيب نكهة القهوة عنك لشهور ثم تشتاق إليها ، فتسميها بالقهوة لتطلبها ، وتستخدم أدواتك لإعاداتها ، ولكن الاسم والأدوات ليسا هما القهوة ، إنهما وسيلتك لاستحضار القهوة.

كذلك الأمر بالنسبة للمعادلات الرياضية والفيزيائية ، هي محاولة لاستدعاء شيء من الواقع لغرض ما ، ولكنها ليست الواع نفسه ، ومهما تقدمت تبقى مجرد وسائل محدودة النطاق.

أما الطريقة الصحيحة فهي معنى الكلمة تستمده حصراً من الخبرة الإدراكية المُباشرة ...

أنت تختبر موضوعاً ما أو شعوراً ما ، ومن ثمة تُطلق عليه اسماً أو رمزاً أو تعريفاً ، وتربطه بأدوات وإجراءات وظروف ... إذا كان المعنى غائباً عن الكلمة وكانت الكلمة وضعية المعنى كما هي وضعية الرمز ( معناها وترميزها عبثيان ومعدوما التأصل في خبرة الإدراك ) فهذا يجعل الكلمة بلا قيمة حقيقية بالنسبة إليك ، حتى ترتبط بمعنىً حقيقي مُدرَك مرة أخرى ... غياب الأصل المعنوي للألفاظ ، وأسبقية اللفظ على الإدراك المعنوي ، ليست فكرة جيدة في تكوين دلالة الكلمة ... تذكر أنه بالنهاية لا يهمك أن تعرف ما تعنيه كلمة ما استخدمتها مجموعة ما ذات يوم ، وإنما أن تكشف حقيقة العالم بإدراكك المباشر ثم تختزنها وتنقلها على هيئة رموز ...

فيفترض أن تكتشف أولاً حالة إدراكية خاصة ، ثم تطلق عليها اسماً مناسباً ، لا أن تتلقى لغة الآخرين على نحو السلب المُطلَق والتكرار العديم. وعلى هذا النحو ستكتشفُ ما هو الدين الآن ...

وأخيراً ، يكون السبب المُباشر للتدين المعروف اجتماعياً هو الخوف من العذاب ، والرغبة في نعيم الخُلد ، لأن مثل هكذا إنسان لم يختبر حقيقة المعتقد ، لم يخلص المحبة لتلك الحقيقة ولا للمعتقد وإنما ، تعامل معه كمعادلة حسابية من نوع مختلف ، نوع يعتمد حسابات المكاسب النفسية والجسدية الحسية.

ولكن ، هل جاء الدين من السماء على أهل الأرض ، من أجل أن يقوموا بالحسابات المنطقية العقلية ؟ أي نوع من السماء هذه تكون إلا سماء الغزو الفضائي واليوفو وأرض الشياطين ...

الإيمان والاعتقاد ... والكفر والإلحاد

 

كثيراً ما يتم ربط الإيمان بالإلحاد كموقفين متعارضين ، ولكن الحقيقة غير ملزمة بمعيار كثرة الاستخدام وقوة الاعتبار.

الإيمان هو حالة وجدانية خالصة، يمكنك إدراكها كخبرة ، ولكن التكلم عنها بلغة بشرية هو حالة من التشتت عن شعورك بالإيمان نحو ضياع في الرموز التي تغيّب المعنى. جمال طريقة الإيمان أنهاأكثر من مجرد موقف في ميدان المعرفة، إنما هو حياة للوجدان ، بغض النظر عن الواقع الخارجي المنفصل بذاته عن ادراك الذات، تصديق ذلك الاختبار الإدراكي المباشرة للجوهر الحي وجعله هو الحكم على الواقع والمعرفة عوض أن يتم إخضاع العلم به إليهما ، هو الموقف الذي يسمى بالعقيدة، خصوصاً عندما تترجم إلى نظريات ولغات، ويقابل تلك العقيدة حالة التنكر لهذه المشاعر و الذي يسمى إلحاداً خصوصاً في إطار التنظير.

كلا العقيدة والإلحاد نسبيان ، ليس بوسع المرء أن يتخذ عقيدة نظرية تشرح كل شيء ، لأن النظريات لا تشرح كل شيء ، وإنما تشرح الاختبار الإدراكي بلغة ترميزية ، ودون وجود الحالة الإدراكية نفسها فلن يكون هناك قيمة للغة المستخدمة. وكذلك هو الإلحاد ، بما أنه يتعلق بالموقف السلبي والنكران لعقيدة ما ، فهو مقيد بالنطاق النظري وتلك العقيدة بالضبط.

ولكن الإلحاد لا يقع بشكل واقعي على كل المعنى الذي تحمله العقيدة ، إدراك قيمة الأزلية كروح تحل بالوجود وحالة لا يمكن فهم الوجود دونها، هو ضرورة لابد منها، لأن غياب قيمة الأزلية بشكل مُطلق هو ترميز لغوي لتصور وهمي ، لا يقع إلا ضمن نطاق محدد في عالم الأوهام. غياب الأزل يكون محدداً بشروط معينة ولا يكون مُطلقاً ، لأنك تستطيع كتابة جملة غياب الأزل أو التفكير فيها كصيغة معادلة ، ولكنك لن تقدر على أن تُدركها ، إنها مجرد فكرة غائبة ، يمكنك فهمها ضمن إطارها اللغوي ، ولن تجد لها معنىً حقيقي يمكن اختباره، فإذا كانت اللغة التي تستخدمها تحاول وصف أصول شيء واقعي في الكون ، كما هو الحال مع الفيزياء النظرية ، فلابد أن تستخدم مفهوم الأزل وكلمته اللغوية ضمن سياق الوصف ، لأن الشيء الذي ليس وراءه أزل ، ليس موجوداً ولا قابلاً للرصد والتفاعل.

فتقوم الفيزياء النظرية بإحالة الأزل كقيمة ضرورية لانوجاد الفيزياء ، إلى نظريات لغوية تصف البعد الإجرائي للأزل دون حقيقته ، مثل نظرية الأكوان المتعددة أو العدم الخالق ( الذي تنبعث منه الأشياء ) ، والنوسان الكوني وغيرها من نظريات ميتافيزيقية تحاول تشتيت وحدة البناء الميتافيزيقي للمعاني الخاصة بالميتافيزيقا واستخلاص المعنى اللازم لوصف العالم فيزيائياً فقط.

فتأخذ الفيزياء صفة الأزلية ، وتجردها عن كل ما تعنيه إدراكياً وحيوياً، وتبقي فقط على البعد الأزلي أثناء وجوده في عالَم المادة. وكذلك الإلحاد، سيحتاجُ إلى الإيمان بنوع من المطلق ، ولكنه فقط سيغير توصيف ذلك النوع ، فالملحد لابد أن يؤمن بالنهاية بوجود القوة ، وبوجود الأزلية ، وبوجود التقدير والحساب الزمني والكوني ، وأشياء كثيرة أخرى ، ولكنها في رؤيته منتزعة عن أصولها الإدراكية كما يتم اختبارها مباشرة ، وعوضاً عن ذلك ، يتم ربطها برباط لغوي يجمعها مع عالم الغياب والمادة الذي لا يتم اختباره مباشرة لأي ملحد أو مراقب.

أي وبالأحرى فكل ما يقوله الملحد : أن إلهه لديه صفة الأزلية ، ولديه صفة القوة والقدرة ، ولكن ما ليس لديه ، هو الوعي ، الجمال ، الحق ، الفضيلة ... فهذه الأشياء غائبة عن الوجود ومجرد أوهام ، ولو كانت موجودة على نحو ما هي المواد موجودة إذن لأمكن أن يتم وصفها بلغة اسمية موضوعية وقياس الاختبارات عليها ، وحينها ستستحيل مرة أخرى إلى غياب يتم وصفه لغوياً ، وتنتهي كحالة وجدانية تحس بالإدراك.

إن هذه الآلهة المبعثرة المتشتتة ، التي لها أسماء كثيرة كالعلم التجريبي والمصلحة والمتعة والمنفعة ، والعبثية والعدمية ، هذه الآلهة هي مجرد نوعٍ من تشتيت إدراك الملحد عن حقيقة الوجود الواحدة ، إنها إلحاد في أسماء الله ، وجعل بعض الأسماء موضع إيمان دون بقية الأسماء الحُسنى ، وبهذا يمكن أن تنوجد الفجوات والعلاقات الباطلة بين الموجودات ، التي لا يوحدها حبل الله ، وهكذا يتحول الوجود من حكمة خالصة إلى واقع عدمي ، في نظر الملحد فقط.

حيث يغدو دعاء الملحد لاسم الله "القوي" منفصلاً عن الرحمة والحكمة ، مما يسمح لهذا الدعاء أن يربط قيمة القوة بأشياء ظلامية ، معزولة عن الرحمة والحكمة والحياة.

خارج النظريات لا توجد اعتقادات ولا يوجد إلحاد ، وإنما تختبر اختباراً مباشراً موقفك من تلك المشاعر الحاضرة إليك آنياً ، إما أن يكون موقفك الاستجابة لتلك المشاعر وإما نكرانها. الاستجابة تسمى بالإيمان والتنكر للحقيقة المدرَكة والتلفت عنها نحو الغياب والظلام يسمى بالكفر.

لا وجود للإلحاد كمقابل لتلك العلوم الوجدانية والخبرات العلمية العليا ، إنه موقف عقلي لغوي بحت ، وتلك العلوم لا تنتمي للمنهج العقلي المنطقي واللغوي في إثباتها وتحققها أصلاً ، وسائر النظريات الدينية التي يتعرض لها الملحدون بالنقد ، ليست من الدين الحقيقي في شيء ، هي مجرد بناء معرفي يسمى ديناً وهو غير ذلك . مقابل الإلحاد ، هنالك الاعتقاد ، وليس الإيمان ، مقابل الإيمان هو الكفر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق