المنطلق : من الله ؟
قال الإمام جعفر الصادق :
" من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لأن الاسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكا، ومن زعم أنه يعبد المعنى بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد، لأن الصفة غير الموصوف ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر الكبير.. و"{( ما قدروا الله حق قدره )}".
قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه، قيل: و كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ".
من هو الذي تسأل عنه وتبحث عنه ؟ إن نيتك من البحث والسؤال ستحدد الإجابة التي ستأتيك ، إن البعد اللغوي من السؤال لا يهم ، ولا تهم التقنيات التي تستخدمها للحصول على الإجابة ، فكل شيء يتوقف على النية.
نيتك ستخلق زمنك ومحاكاتك في نهاية البحث وعلى امتداد كل خطوة منه ، وعدد أنواع الاحتمالات لانهائي ، ليس هناك حد لما يمكن أن يوجده الزمن أمامك ، على مرايا الإدراك. ومع ذلك ... هناك سبيلين فقط ، يوجد طريقين للحياة ، إما أن تبحث عن الحقيقة والحضور الذي يتحد بذاتك ووجدانك ، وإما أن تبحث عن الغياب .. ويشمل الغياب ، كل شيء ليس حاضراً لك ومتحداً مع ذاتك ... كل ما ليس بوسعك الإحساس بأنه موجود قطعاً ، أو البرهان على وجوده ، كل محاكاة تأسر إدراكك فيها تماماً كالحلم والتأويل المستمر ، الذي قد لا يكون له وجود إلا بعقلك ، ورغم ذلك أنت تعبده ، أنت تنفعل له وتهتم به ، أكثر من اهتمامك بأي شيء آخر ، وتترك له زمام قيادة أمورك الزمنية دوناً عن أي شيء آخر.
له مسميات كثيرة : المال والسلطة ، الجنس والعاطفة ، نظرة الناس من حولك ، المشروع الذي بين يديك ، المهمة التي سخرت حياتك لأجلها ... يمتد الأمر لكل شعور ممكن تربطه بموضوع غائب ، مثل الانتقام ، والكراهية ، وحب الشهرة ، وحبيبتك وحبيبك من الإنس ، كل تلك الأشياء التي يمكنك الاستغناء عنها ، وستستغني فعلياً عنها في لحظة ما ، هي كائنات زمنية محدودة ولا وجود حقيقي لها لتتحد معه ، ربما تعبر من خلالها بعض أشعة الحقيقة أحياناً ، كنسمة إنعاش تمر في وادٍ من الجحيم ... فهي عناصر لا تنتهي للزمن الغائب عنك ، الذي لا يمكنك التحقق من وجوده أكثر ما يمكنك التحقق من وجود أحلامك التي تراها في الليل قبل أن تعود إليه مرة أخرى.
أساس المصفوفة الدنيوية وأصل الجحيم ، هو في ظلام القلب وظلمات الرغبات ، وليس في الواقع الذي تعيشه أو أي واقع زمني محتمل ، تغيير الواقع دون التخلص من الرغبة بالظلام ، ستخلق الظلام في واقعك الزمني مهما كان شكله مختلفاً ويعجبك ... أما تغيير الرغبات التي تحبس نفس القلب وتربطه بعالم الغياب ، هو السبيل الوحيد لنهاية تلك القيود ، والوصول إلى قيمة الحياة ، وإلى الحقيقة المطلقة ، والتحرر من ارتهان الجسد ومن هذا الزمن يبدأ بتحرير القلب من أغلال اللاشعور وعقد النفس المتراكمة ، ولن يتحرر القلب إلا حين يركز التفاته الوجداني على الحضور والحق والجمال واليقين.
كل إنسان له إله يعبده ، وكذلك كل شيء عبر الوجود ، يعبد الله بطريقة ما ، وكثير من الناس يعبدون آلهة مع الله دون أن يعرفوا بالضبط ذلك ، فالاعتراف بعبادة الله دون معرفة من الله ، وما هي العبادة ، لا يكفي لكي يسميك الله عبداً مخلصاً له ، ولكنه يكفي لكي يطلق عليك الناس صفة دين معين. وهذا لن يغير شيئاً من الحقيقة ، أنك لم تعرف من هو الله وما هي العبادة ...
لأن أول منطلق يشع منه وجود الدين هي النواة ، نيتك التي تبني عليها مسيرك في أفق الزمن ، إن نيتك ستحدد مسيرك والذي سيحدد في النهاية مصيرك ، وهذا هو المعنى الحقيقي للدين. بهذا المعنى ، لا يتوقف الدين فقط على علاقة محدودة مع إلهك ضمن الزمن ، تشكل فرعاً من فروع هجرتك الزمنية الأساسية ، فهذا شرك في قلبك وسيؤدي إلى عواقب وخيمة.
الدين ليس عرفاً اجتماعياً أو نوعاً من الإصلاح ، ولا هو نوع من الخصوصية الذاتية المعزولة عن سائر الحياة، العرف الاجتماعي ونمط الحياة ومجموعة المعتقدات المنفصلة عن بعضها البعض والتي تشكل موقفاً معرفياً أو حكماً أخلاقياً محدوداً هي مسائل يعالجها الدين من جملة ما يعالجه من مسائل سائر الحياة والتحقق الزمني.
أما الدين نفسه فهو تحقق نواة الذات السرية عبر الزمن والمحاكاة التي ينسجها ، خلال رحلة البحث المنطلقة من تلك النواة. فإذا كانت النواة هي البحث عن ما يعطي للحياة قيمة وبهجة ومعنى فلتلك النواة جواب من الزمن على قدر السعي والتصميم على البحث ، وهنا يكون الله هو مصدر تلك البهجة والسعادة ، وتقتضي هذه البهجة الوصول إلى الحقيقة وإزالة الأوهام وكشف الضباب. إنها عبادة لله بحسب ما أحسسته من أسمائه الحسنى.
أما إذا كانت النواة غير واضحة المعالم ، وهو حال أكثر الناس ، فالزمن سيكون مشتتاً وغير واضح ، والمصير سيكون عسير الوصول ، وحتى تتوضح الرؤيا يجب على الإنسان أن يتخلص من ظلام الرغبات الغير واضحة والتي لا يريدها فعلاً ، التي تحجب عنه نور النواة ورغبته الحقيقية. ولأجل ذلك فقط نشأت الشعائر كالصلاة والصيام والزكاة ، والخلوات والرهبنة ، والتي هي جميعاً نوع من التدريب الأخلاقي ، وليست غاية بذاتها وفق ظاهرها الزمني الذي لن تجد فيه أي حكمة دون القيمة منه ، فإذا تحققت القيمة من الشعائر ، فقد أغنى الله عبده بذلك عن ظاهر الشعائر ومقاييسها المجتمعية والتاريخية.
ولذلك ، فقبل أن تكون مسلماً يجب أن يكون لديك جواب واضح حاضرٌ إلى إدراكك المباشر ووجدانك الحي ، عن من الله ؟ من هو الذي ترغب إليه عبر مسيرك الزمني ؟ ماذا تعلم عنه ؟ ماذا تحس تجاهه ؟ أي نوع من المحبة إليه تكن ؟ وأي نوع من التضحية لأجله تقدم ... هذه هي الأسئلة المهمة والتي ستحدد من هو ... من هو الله بالنسبة إليك ...
أما بقية التساؤلات التي تدور بين أهل الأرض حول وجود الله ، والتدين والميتافيزيقا وسائر تلك الأمور ، فهي مرحلة تتبع مرحلة النواة ، ولن تغير الكثير أياً كانت إجابتك عليها ، بل على العكس ، إن رغبتك المستمرة بإيجاد إجابات على تلك الأسئلة تجعل القلب مشتتاً في الضباب وباحثاً عن النور في الغياب نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق