آية النور المُباركة ... النور والظلام ... ورحلة إبراهيم إلى الحق

 مبدأ العلم ...

الزمن ... ينبعث من حلول النور الإلهي في ظُلمات العدم ، وقَد بدأ الزمن من لحظة غير زمنية ، وفي قطار الزمن ، ليس من بداية ونهاية ، هنالك الأزلُ والأبد ، وهنالك الحياة والموت ، والنور والظلام ، وسائر الكائنات والحدثيات والعالمين. إن العدم والظلام والموت ، كانت سَلبَ نور القِوى الإلهية الملقى على إدراكك ، فلا معنى لها إلا أثناء إدراكك وجود تلك القِوى ، وخارج هذا الجدلوت ، ليس هنالك عدم وظلام ، فقد ظهر الزمن والعدم والوجود لحظة تجلي النور الكامل عبر التفاعل الكمالي الساعي إلى التفاعل التكامُلي.



إن جوهر الزمن هو التفاعل التكاملي بين صفات الحمد والأسماء الحُسنى ، إنه تفاعل حياة الحي ، وقيامة القيوم ، ذلك الذي لا يحده وصف وكيف وعدد ، فلا يكون كَثرة أو واحداً ، ولا تسري عليه المُتناقضات ولا على أفعاله ، وليس له زوج مُفارق بأي معنى ، وليس من شيء يَفتَقِر إليه ، إلا أن جوهر كل الجدلوت الحيوي القيمي ، كان المحبة الخالصة ، والعطاء بلا حدود وشروط وقيود ، وهكذا أنشأ عوالم الحمد ، ذلك العقل الكامل الذي يتوجه في أحكامه منطلقاً بنور القيم والحياة تماماً ، ومن عوالم الحمد تنزلت العوالم الأقل فالأقل حتى وصلنا لهذه النُقطة من الوجود ... لقد كُنت وكنتم وكان كل شيء ، دائماً موجوداً وبلا إطفاء لمصابيح الجواهر الحيوية القيمية ، لأنها خارج نطاق الزمن السالب ، وداخلة رحمة الله الواسعة الغنية عن العلاقات والقيود ، فلا تتصور أنك انقطعت عن الوجود مطلقاً وإنما كان انقطاعُك ضمن الزمن الذي حللت فيه ثم تركته ورحلت لغيره ...

فقد كُنت دائماً موجوداً في رحاب الله ، فلا يحسن بك أن تقول لما خَلَق الله الخلق ، لقد خلقه بالحق وللمحبة ، وليس ضمن التسلسل الزمني الذي تعرفه وإنما فيما وراء المعنى المقيد بلغتك وأفكارك وما تسميه منطقاً ... وإن كل عالم وزمان يتجه نحو التكامل الأخلاقي في حُب الله ، وكذلك عالمك الخاص ، وزمنك الخاص. وكلما خَلَصتَ من أغلال العدم وقيود الغفلات والعواطف الوهمية ، كلما فُتح لك باب الارتقاء ... بَل إنما كانت رَغبة كل كائن حي أن يبحث عن الله في الوجود ، ولو تنقطع هذه الرغبة ينقطع تفاعله مع وجوده وبحثه ورغبته بأي شيء ، فكُل كائنات الله فيها رسول الله ، من عالم الحمد إلى عالم الخلق ، الذي يُحب أن يتواصل مع النور الإلهي متجياً بضياء شمس كشمس رغبته الحية ، ولذلك يبحثُ عنها في الآخر الغائب الميت ، ليُخرج بنوره الحيَّ من الميت ويبعث الراقدين في قبور الزمن ، وهذه الرغبة ليست فقط حُباً للآخر ، وإنما هي حُبُّ أن يرى الآخر نور الله ، بغض النظر عن علاقة الذات بذلك الآخر ، هذه المحبة الغير مشروطة ، الخالصة حقاً ، تقترن بالفداء ، بأن تُقرر الذات أن لا تسود على الآخر وتستعبده إليها بأي وجه ، فلا تربط الآخر بكائنيتها الزمنية ، بل بواحدية الله ربها ... ولكنها غَفُلَت مراراً وتكراراً عن الوجدان العظيم واتبعت الأفكار والظنون ومُسبق الأحكام والعجلة ، فصارت مغلولة إلى الأعناق مع الآخر ، الزوج والابن والشهوة والآلات والأموال ، لكنها ما رأت شمس عينيه بل انعكاس نورها الذي شوهه الشكل الخارجي ، فكان حقاً عليها أن تقوم بالفداء ... لِتُحرر الآخر وتحرر نفسها ضمن زمانها وحينها ستحل المحبة الحقة التي لا تنتهي ولن تنتهي أبداً ، قيامة المسيح في كُلِّ إنسان تاب إلى الله وسمع نداء الروح.

{( الله نُورُ السماوات والأرض مثلُ نوره كمِشكاة فيها مِصباح المِصباحُ في زُجاجة الزُجاجة كأنها كوكبٌ دُرّيٌّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتُها يضيء ولو لَم تمسسهُ نارٌ نورٌ على نور يهدي الله لنوره مَن يشاء ويضرِب اللهُ الأمثال للناس واللهُ بِكُل شيء عليم )}

نُور الإدراك والشهادة :

وإن نور الله في العالمين ، والأزمان ، لا ينبعث على أي زُجاجة زمنية تُقيد مِصباح الأُنس ، ولكن الله يهدي من يشاء أن يهتدي ، إلى النور الذي يُرافقه أصلاً وطوال الزمن ، والذي كان معه دائماً ، جمال ذاتك وطلعتها ، نور الله المُرسَل إلى الزمن ، ولكنه مُقيد بالغفلة والتوهان في الأحلام ، وهكذا ، من يرغب بالنور أن يحل بإدراكه فقد رأى ضياء المِصباح ورأى النور الذي يبحث عنه ، لأنه نور فهو حُرٌّ أن يختار ما يشاء من الزيت الوجودي ليُخرِجه من القوة الكامنة إلى الضياء الدُرِّي ، الأشجار الخبيثة بحد ذاتها لا وجود لها حتى يضيأها مصباح الذات ، لذلك عندما يضيؤها الوعي تكون إضاءة تأسره بالغفلة وتكشف له سوءته المنعكسة في زمن الغفلة ، ولكن هذه الأشجار الخبيثة نفسها ، ومهما كانت خبيثة ، تستطيع الذات أن ترحمها وتكشف نور الحق في جوهرها العتيق ، فحتى الآلات الحربية تكون كائنات رحيمة حينها وقد وسعت رحمة الله كلَّ شيء.

النور حضرة الله في الذات الواعية ، وفي الزمن نورها هو حضورها إلى الزمن ، فتُغذيه بما تشاء وتنسجه كما ترغب ، مؤتمنة على نور الله ، مُستخلَفة به في الزمن . تماماً كنور الرغبة بالله ، ذاتي غني عن الغياب ، وباعثٌ في الغياب روحه لتحييه مَرغُوباً ، فإن الإدراك كنور ذاتي غني عن الآخر والزمن ، ولكنه يبعث روحه النورانية في الآخر فيحييه مُدرَكاً ، فإن اختار الوعي إدراكَ الظلام فقد أمات الآخر بمعنىً ما ، وإن اختار النور فقد أحيا الآخر بمعنىً ما. وإن اختار الظلام والغياب ولو قليلاً حَكَمت عليه نفسُه الغيابية السالبة للعلاقات والآخر ، بذلك القدر الذي اختاره ، فصار عبداً لها يشعلُها بطاقة الضوء الوقاد فتستنزف وعيه ، وصارت آلة لا تعرف المُستحيل في مهمة امتصاص الآخر ونسج الزمن الغائب. هذه النفسُ السالبة المُسماة باللاشعور ، والعقل الباطن\الغيابي\الذاتي ، هي كلِمة الله التي شوهها الغياب عن مضمونها المعنوي الحق ، وسُجلت في سجلات النفس لتقود الذات المُتعلقة بها.

الضِياء هو تفعيل الزمن ليكون مُدرَكاً كظلامٍ أو كنور ، فما أُضيء منه تراه نوراً وما أظلم منه على عينيك الزمنيتين قيدهما بقيود الغفلة والتشتت الإدراكي ، الموحية بشيء من المُعاناة والخوف والظلام ، تراه كظلمات بعضها فوق بعض ، فالظلام هو سَلبُ الزمن المعدوم للنور ، وحينما يرى الإنسان الظلام فقط ، فهو يُدرِك وجود النور ، ورَغبة النور ، وإلا لَما سعى للتغيير من هذا الزمن ، فالظلام نفسُه عند فهمه ، يدل على عجزه وفقره للنور الحكيم.

إن وجود الشر والظلام والحيرة ليس إلا حُلُماً مؤقتاً في رحلة الحياة نحو الارتقاء ... فحقيقة الظلام بما هو موجود مُصمم بهندسة الحكمة وبلاغة الغاية النهائية منه ، أنه نورٌ هو الآخر ، لكنه نورٌ منسي مشتت ، لا ينظر لنوره بل لفعل إنارته وتأثيرها .. ويحتاج زيتاً خاصاً ونادر الوجود لإيقاد ضياءه نحو الذات من جديد.

نُور الشهادة لذات تشهدُ ذاتاً ، هو رؤيتها لحقيقة الذات المشهودة الإلهية ، والنور في الزمن حقيقة ضمن طياته تُكشَفُ للذات ، وضياء ذات لذات هو بعث قوة الإنارة نحوها موحدة الذاتين برباط المحبة المُقدسة والنور الإلهي ، وضياء الذات للزمن بَعثها روحها في ظلماته العدمية لكي يخرج إلى إدراكها المنير ويكون هو عينه مُدرِكاً لإدراكها ، أما استيقاد النار في الزمن ، تغذية الزمن بالطاقة ليتحول إلى وجود مُدرَك ، لكنه غائب ، ولا يحضر منه سوى شُعلته النارية التي قد تتغذى على وقودين ، طاقة أرواح الناس ، وطاقة عالم القيود "الحِجارة التي توقفت في مرحلة معينة من السعي" لتُنشئ زمن الغريزة والحديد والنار" زمن حجر إرادة الحق وحجب الطاقة من التدفق النوري ، زمن العقل الموضوعي الواقعي والمصالح الأنانية الكريهة.

رحلة الكَشف لإبراهيم في نور السماوات والأرض :

 

{( كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (*) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (*) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (*) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (*) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )}

ما رآه سيدي إبراهيم ، لم يكن فقط الشمس المحلية ، والقمر المحلي ، الذين نراهما باستمرار ، لأن تلك الأجرام لَم تكن يوماً غير آفِلة ولقد كان إبراهيم يعلم ذلك جيداً ، كما يعلمه الجميع ، والليل الذي جَنَّ على إبراهيم ليس مُجرَّد ظلام بسبب زوال الأضواء النهارية ، بل إنه كشفُ ظلام الوجود على حقيقته ... لماذا يذهب الباحثون عن الحق للخلوات ، لو تسألهم سيجيبونك شيئاً واحداً ، في الخلوة يخلو العقل من أحكامه المُسبقة وأمراضه ومعتقداته وكل ظن ، لأن ضجيج الناس ومشاغل الحياة يتوقف ، ولا يبقى سوى الإنسان والحقيقة ، ففي لحظة من اللحظات ، يبدو كُلُّ شيء حوله ليلاً ، يرى بعينيه كيف قد أَفِلَت صور الموجودات جميعها وزينتها، وكيف أنه لو عاد ستأفل في يوم آخر ، وسيفنى ذكر كل شيء قد عرفه مُسبقاً ، حتى من يسميهم عائلة ، حتى من يسميهم أحبة ... لن يبقى أي رابط يربطه ويقيد رغبته وإدراكه الحاضر وزمن الآن ، ولكنه مع ذلك لا يزال يمتلِك الرغبة والإدراك ، ما الذي يرغبه إنسانٌ قد جُرِّد من كل شيء إلا أبسط أسباب الحياة المحلية ، طعام فقير وبساط ينام عليه ، وقليل من الماء لا يدري متى ينفذ ... لقد اختار أن يتجرد من الأشياء التي ليست لها قيمة حقيقية ، فالمال لا يخدم سوى من يريد المكوث مدة أطول ضمن هذا العالم الصوري ، هذه اللعبة الكبيرة التي تزول حين زوالها من مركز التفات الإدراك ، والأمان في هذا العالم بأخذ الأسباب ليس له أي اعتبار لمن لا يأبه بوجوده ضمن هذا العالم ، وكل مُتعة ممكنة تعرفها عبر الآخر ، تزول بزوال الآخر ... 

لأن الآخر غائب عنك ، تَكشف ليله بكشف ظلامه الحقيقي ، كُلُّ آخر أياً يكن هو غائب ، شخصاً أو شيئاً ، عندما لا تستطيع أن تتيقن من وجوده علمياً ، ولا أن ترغب به رغبة خالصة من الشروط وسامحة بكل التحولات التي يتجلى بها ، هذا ظلام الليل الذي يشوش عليه ضجيج النهار ، ولكن الساعي للحق الذاهب عبر رحلة الخلو ، يرى ظلام الليل في وضح النهار ، وهو يرى الناس لا يعقلون ، ثم لا يمكن إدراك حقيقة وجدانهم ، ثم تغدو وجوديتهم ظنية بما هي غائبة عن الإدراك ، ويرى الرغبة لا تقع على ما لا يمكن حضوره، إلا أن تكون ... رغبة في الوهم ، وخوفاً منه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق